هل مزق حميدتي “هدنة” ترامب؟

هل مزق حميدتي “هدنة” ترامب؟
هل مزق حميدتي “هدنة” ترامب؟


 منذر مصطفى

شهدت العاصمة اليوغندية، كمبالا، يوم أمس الأول زيارة ضاجة لقائد قوات الدعم السريع، أرسل عبرها حزمة رسائل للداخل والخارج؛ بدت في ظاهرها محاولة لترسيخ “الانفصال” كأمر واقع، وشرعنة لتطاول أمد العمليات العسكرية. إن تحركات حميدتي الأخيرة تعكس رغبة تحالفه في فتح جبهة عداء مع المحاور الإقليمية الوازنة كالسعودية والقاهرة وتركيا وقطر، وتمزيق إعلان “الرباعية”، بل والقفز بوضوح من “مقترح ترامب” الهادف لتجميد الصراع عبر هدنة إنسانية شاملة يعقبها حوار سياسي.

طالما كانت مهمة تخريب العلاقات الخارجية للسودان، والتلاعب بالوسطاء من خلال القفز من قارب المفاوضات في اللحظات الأخيرة، هي التكلفة السياسية التي تحملها “البرهان” طوال السنوات الثلاث الماضية؛ من منبر جدة مروراً بالمنامة وجيبوتي وصولاً إلى واشنطن، ولقد ظل البرهان يتحمل وزر عسكرة المجتمع وتطاول أمد الحرب بسعادة غامرة، لكن السؤال الملحّ الآن: ما الذي يدفع حميدتي لتقاسم هذا الدور التخريبي في هذا التوقيت؟ وما علاقة ذلك بالمشروع التاريخي للإخوان المسلمين في البلاد؟.

يؤكد تقرير لمركز “ريسبونسبل ستيت كرافت” (معهد كواينسي) أن البرهان يستخدم “كتالوج البشير” في المناورة؛ وهي فكرة تقوم على استثمار تضرر المجموعات من العمليات العسكرية لتعبئتها وإقحامها في وحل الحرب، فتتدحرج كرة الثلج حتى تصاب جميع الأطراف بالإرهاق، مما يجعلها قابلة لقبول “ما لم يكن مقبولاً” من قبل.. واليوم، يبدو أن حميدتي يقرأ من ذات “كتيب التشغيل”؛ إذ تم ترويضه بالكامل داخل اللعبة ليصبح شريكاً في إنتاج حالة الإعياء الوطني.

ولا يخفى على أحد المشروع “الإنفصالي” الكامن في أيديولوجيا تنظيم الإخوان، والمعلن عنه رسمياً منذ عام 2005، والذي حقق أولى ثمراته عام 2011 باستقلال جنوب السودان.. واليوم، يبدو أن دار مساليت ودارفور وأجزاء من كردفان والشرق تنتظر دورها؛ حيث تشكل المليشيات العرقية، وعلى رأسها الدعم السريع، “رأس الرمح” في تطبيع هذا المخطط.

ويرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن الانسحاب الأمريكي النسبي قد خلق “فراغاً” سارعت قوى إقليمية ودولية لملئه، وهو ما اكتشفه طرفا الحرب مبكراً؛ فبات “الابتزاز الاستراتيجي” يتربع على قائمة أجندة دبلوماسية الحرب، وبما أن الميسّر بأدى الأمر لم يستطع إقناع دول الجوار بأن رؤيته تضمن مصالحهم، فقد ظل الباب مفتوحاً للتفاهمات الثنائية مع “أمراء الحرب” بعيداً عن الحل الشامل.

مما جعل تطاول العمليات العسكرية “هدفاً في حد ذاته”؛ فمن خلاله يتم إزاحة مطالب القوى الاجتماعية من دفاتر المجتمع الدولي، وصولاً إلى تحلل المجتمع المدني أو ذوبانه في الأطراف العسكرية.. وهذا ما يجعل أي “الهدنة” تقف على النقيض تماماً من طموح أطراف تلتقي في الغايات (البقاء) وتتواجه في الأرض (السيطرة).

لكن، وبالرغم من قتامة ما خطط له، تؤكد الشواهد على الأرض بأن المجتمع المدني قد امتص الصدمة مبكراً، وانتقل من مرحلة حفظ الأرواح لـ رفع رايات المطالب السياسية، ممارساً ضغوطاً تفوق قدرة حكومات “الأمر الواقع” على الاحتمال.. وخطاب حميدتي في كمبالا يعكس في جوهره حالة “ذعر” ناتجة عن عجز سلطته الموازية عن ترسيخ أي حوكمة فعلية، في مقابل تمدد المجموعات المدنية في تقديم الخدمات الأساسية وتحييد قدرته على الإبتزاز الإستراتيجي؛ وهي ذات الآلام التي يعاني منها غريمه التقليدي.

والايام القليلة الماضية شاهدنا دفع قوى مدنية في “نيروبي” بمذكرة وحملة مناصرة مؤثرة لـ تصنيف جماعة الأخوان المسلمين والمؤتمر الوطني كـ جماعات إرهابية، وهذا بدوره يجعل من هذا القوى السياسية أهم بكثير لـ الفاعلين بالمجتمع الإقليمي والدولي من “الدعم السريع” في مواجهة خطر تنظيم “الأخوان”، وأدت التفاهمات الأخيرة لإنهاء الإنقسام السياسي لـ حراك أكثر تنظيماً على الأرض مما يجعل “البرهان” أمام مأزق يصعب تخطيه.

وما لا يدركه “حميدتي” أن “مسعد بولس” يحمل وثيقة غير قابلة لـ التمزيق بدون تكلفة باهظة ويفهم كيفية تفعيل دور واشنطن، بما في ذلك من خلال “دبلوماسية الصفقات الحازمة” لـ فرض “استقرار إجباري” وهو ما يضع البرهان وحميدتي أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانصياع لهدنة تنهي استثمارهم في الفوضى، أو مواجهة ضغوط مباشرة تتجاوز سقف المناورات القديمة، وهذا بدوره يجعل من محاولات الابتزاز رهان خاسر أمام “واقعية” واشنطن الجديدة التي لا تقبل القسمة على اثنين.

منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الثلاثاء 21 فبراير/شباط 2026


تعليقات