أوكرانيا والسعودية توقّعان اتفاقية دفاع جوي تاريخية: الخريطة الكاملة للمنظومات المتكاملة التي ستُحصّن سماء المملكة

أوكرانيا والسعودية توقّعان اتفاقية دفاع جوي تاريخية: الخريطة الكاملة للمنظومات المتكاملة التي ستُحصّن سماء المملكة
أوكرانيا والسعودية توقّعان اتفاقية دفاع جوي تاريخية: الخريطة الكاملة للمنظومات المتكاملة التي ستُحصّن سماء المملكة

 وقّعت أوكرانيا والمملكة العربية السعودية اتفاقيةً وُصفت بـ«بالغة الأهمية» في مجال الأمن الجوي، تُتيح للرياض الاستفادة من الخبرة الميدانية الأوكرانية المتراكمة على مدى أربع سنوات في مواجهة التهديدات الجوية وصدّ هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية الصنع. جرى التوقيع يوم الخميس فور وصول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى المملكة في زيارة لم يُعلَن عنها مسبقاً، في خضمّ التوترات المتصاعدة في المنطقة جراء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وما رافقها من هجمات إيرانية انتقامية بالمسيّرات والصواريخ على دول الخليج.

وأوضح مسؤول مطّلع على مجريات الملف أن الاتفاق يرمي إلى «إسهام أوكرانيا في تطوير منظومة متكاملة لمكوّنات الدفاع الجوي»، تكون قادرةً على التصدي لمسيّرات «شاهد» الإيرانية الصنع وسواها من الطائرات المسيّرة، وفق ما نقلته وكالة «فرانس برس». وكشف أن الاتفاقية تتجاوز نطاق الطائرات الاعتراضية، لتشمل «بناء منظومة دفاعية متكاملة تجمع بين مختلف مكوّنات الدفاع الجوي، وتوظيف الخبرة الأوكرانية التشغيلية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأدوات تحليل البيانات، بهدف التصدي الفعّال لمسيّرات شاهد وغيرها».

وأعلن زيلينسكي عبر منصات التواصل الاجتماعي أن البلدين توصّلا إلى «اتفاقية بالغة الأهمية» في مجال التعاون الدفاعي، مشيراً إلى أنه بحثها مباشرةً مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقال: «نحن مستعدون لتبادل خبراتنا وأنظمتنا مع المملكة العربية السعودية»، مضيفاً أن الرياض «تمتلك بدورها قدرات تُعدّ ذات قيمة لأوكرانيا، مما يجعل هذا التعاون مثمراً للطرفين معاً». فيما أحجم زيلينسكي عن الإفصاح عن تفاصيل الاتفاقية.

فما الذي تملكه أوكرانيا تحديداً لتقدّمه للسعودية؟ وما المنظومات المتكاملة التي يمكن أن تُغيّر قواعد اللعبة في الدفاع الجوي السعودي؟

المنظومة المتكاملة: فلسفة دفاعية لا مجرد سلاح

لفهم ما تقدّمه أوكرانيا، يجب أولاً التخلّي عن التصوّر التقليدي القائم على أن «الدفاع الجوي = صاروخ يعترض صاروخاً». ما طوّرته كييف على مدى أربع سنوات من المواجهة اليومية مع عشرات آلاف مسيّرات «شاهد» التي أطلقتها روسيا — وهي ذاتها المسيّرات الإيرانية الصنع التي تُستخدم حالياً في استهداف منشآت الطاقة والقواعد العسكرية الأمريكية عبر منطقة الخليج — ليس سلاحاً واحداً، بل فلسفة دفاعية شاملة قائمة على التكامل بين أربع طبقات تعمل بتنسيق تام فيما بينها. وللإحاطة بأبعاد هذه الفلسفة، لا بدّ من استعراض كل طبقة على حدة، ثم فهم كيف تتشابك جميعها في منظومة واحدة.

الطبقة الأولى: المسيّرات الاعتراضية

تمثّل المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية الجوهرة التي تتهافت عليها دول الخليج حالياً، والسبب بسيط: هذه المسيّرات تقلب المعادلة الاقتصادية للدفاع الجوي رأساً على عقب. فبينما يكلّف صاروخ «باتريوت» الاعتراضي الواحد ما بين ثلاثة وأربعة ملايين دولار، تتراوح تكلفة المسيّرة الاعتراضية الأوكرانية بين ألف و2,500 دولار فقط. والأهمّ أن أوكرانيا لم تكتفِ بتصميم هذه المسيّرات، بل بنت قدرة إنتاجية ضخمة بلغت بحلول عام 2026 نحو 1,500 مسيّرة اعتراضية يومياً من طراز FPV، بعد أن حدّد الرئيس زيلينسكي هذا الهدف في يوليو/ تموز 2025. ويعمل في هذا القطاع نحو 20 شركة أوكرانية، لكل منها مقاربة مختلفة للتحدي ذاته.

أبرز هذه المسيّرات مسيّرة «Sting» (اللدغة) من شركة Wild Hornets، وهي الأكثر طلباً في منطقة الخليج حالياً وفق تقارير متعددة. تعتمد هذه المسيّرة على كاميرات التصوير الحراري لرصد الأهداف ليلاً ونهاراً، وتحمل رأساً قبّياً يضمّ منظومة كاميرا وحمولة متفجرة تزن 500 غرام. ما يميّزها فعلاً هو قدرتها على العودة إلى قاعدتها تلقائياً إذا لم تتمكن من تحديد هدف، مما يعني إمكانية إعادة استخدامها — وهي ميزة اقتصادية بالغة الأهمية حين يكون العدو يطلق عشرات المسيّرات كل ليلة. يُشغّلها طيّار يتتبّعها عبر شاشة أو نظارات الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV)، وتتراوح تكلفتها بين ألف و2,500 دولار للوحدة، فيما تقول الشركة المصنّعة إنها قادرة على شحن أكثر من 10,000 وحدة شهرياً.

أما مسيّرة «Bullet» (الرصاصة) من شركة General Cherry — التي بدأت كمبادرة تطوعية وتحوّلت إلى واحدة من أبرز شركات الدفاع التقني في أوكرانيا — فتُمثّل نقلة نوعية مختلفة. طُوّرت أواخر عام 2025، وتجمع بين محرك نفاث وأربعة دوّارات في تصميم هجين يمنحها سرعات تتراوح بين 130 و309 كم/ساعة مع سقف ارتفاع يصل إلى 5,500 متر. تستخدم التوجيه المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، والأهمّ أنها قابلة للطباعة ثلاثية الأبعاد — وهو ما يفتح آفاقاً واسعة لتوطين إنتاجها محلياً في أي بلد يمتلك البنية التحتية اللازمة.

Meet STRILA and BUREWIY: WIY DRONES Unveils High-Speed Interceptors to  Counter Russian Shaheds and Spy Drones · TechUkraine

ثم هناك «Strila» (السهم) من شركة WIY Drones، وهي تُوصف بأنها منظومة اعتراضية من «النوع الصاروخي» لأن أداءها أقرب إلى الصواريخ منه إلى المسيّرات التقليدية. تصل سرعتها التشغيلية إلى أكثر من 350 كم/ساعة (بلغت 400 كم/ساعة في الاختبارات)، ومداها إلى 14 كم في الوضع التكتيكي و28 كم كحدّ أقصى، بسقف ارتفاع يبلغ 4 كم وتكلفة تقارب 2,300 دولار للوحدة. لكن الميزة الأهمّ في أحدث نسخها هي تخلّيها الكامل عن الاعتماد على نظام GPS، مع منظومة اتصالات مقاومة للتشويش الإلكتروني تتيح للمشغّل تبديل القنوات أثناء الطيران — وهي ميزة حيوية في بيئة تسعى فيها إيران لتشويش الاتصالات. تُنتج الشركة حالياً 100 وحدة يومياً بموجب عقد حكومي.

المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية P1-Sun و Bullet اشتدّ الطلب عليها بفعل  الحرب - النشرة العلمية - مونت كارلو الدولية / MCD

وتُضاف إلى هذه الترسانة مسيّرة «P1-Sun» من شركة Skyfall، وهي مطبوعة بالكامل بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وتصل سرعتها إلى 300 كم/ساعة. أهمية هذا النموذج لا تكمن في أدائه وحده، بل في ما يمثّله من إمكانية للتوطين المحلي: أي دولة تمتلك طابعات ثلاثية الأبعاد صناعية يمكنها نظرياً إنتاج هذه المسيّرات محلياً.

Octopus Goes Serial: Ukraine Begins Mass Output of New Shahed-Interceptor  Drone — UNITED24 Media

كذلك تبرز مسيّرة «Octopus 100»، وهي أوكرانية التصميم لكنها تُنتَج بالجملة في المملكة المتحدة في نموذج فريد للتعاون الدفاعي عبر الحدود. يُعدّ هذا النموذج سابقة تاريخية بوصفه أول ترخيص من حكومة غربية لمسيّرة اعتراضية أوكرانية التصميم للإنتاج المحلي، مع قدرة إنتاجية مخططة تبلغ ألف وحدة شهرياً اعتباراً من فبراير 2026. وللدلالة على فعالية هذه المسيّرات، حققت كل من Octopus وSting وBullet أكثر من ألف عملية إسقاط ناجحة لكل منها رغم حداثة نشرها نسبياً في الميدان.

Forged in Fire: ODIN Unveils the 'Win_Hit', a 300 km/h Drone Hunter to  Master Ukraine's Skies · TechUkraine

ولا يكتمل المشهد دون ذكر مسيّرة «ODIN Win_Hit»، وهي مسيّرة على شكل رصاصة مُصمّمة للمهام القصيرة عالية الكثافة، إضافة إلى منظومة «Merops» ذات المنشأ الأمريكي. طوّرت الأخيرة شركة مدعومة من الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل إريك شميدت، لكن بمدخلات مباشرة من المقاتلين والخبراء التقنيين الأوكرانيين في ساحة المعركة. نُشرت في أوكرانيا منذ منتصف 2024 وحققت نتائج لافتة، وهي منظومة متنقلة قصيرة المدى يمكن تحميلها في صندوق شاحنة بيك أب متوسطة الحجم، وتتميّز بقدرتها على العمل باستقلالية تامة عبر الذكاء الاصطناعي حتى في ظروف التشويش الكامل على الاتصالات ونظام GPS — وهو تحدٍّ جوهري في أي مواجهة مع إيران.

الطبقة الثانية: الحرب الإلكترونية

لفهم أهمية هذه الطبقة، يجب إدراك حقيقة أساسية: أرخص طريقة لإسقاط مسيّرة ليست بالضرورة إطلاق مسيّرة أخرى عليها، بل قد تكون ببساطة «إرباكها» إلكترونياً حتى تفقد طريقها وتسقط وحدها. هذا بالضبط ما تفعله منظومات الحرب الإلكترونية، وهي تُشكّل خطّ الدفاع الأول والأقلّ تكلفة في المنظومة الأوكرانية.

لم تبنِ أوكرانيا هذه القدرة من فراغ. على مدى أربع سنوات، واجه المهندسون الأوكرانيون سباق تسلّح إلكترونياً يومياً مع نظرائهم الروس، حيث تتقادم التقنيات كل ستة أسابيع تقريباً وتحلّ محلها أخرى. هذا السباق أنتج منظومة بيئية فريدة: يُسجَّل لدى منصة Brave1 الحكومية وحدها أكثر من 100 مشروع حرب إلكترونية، وتعمل أكثر من 50 شركة أوكرانية في هذا القطاع — وهو رقم استثنائي بالنسبة لبلد واحد.

BUKOVEL-AD

من أبرز ما أنتجته هذه المنظومة منظومة «Bukovel-AD»، وهي حجر الزاوية في الدفاع الجوي الأوكراني ضد المسيّرات. هذه المنظومة المتنقلة قادرة على رصد المسيّرات على مسافة تصل إلى 100 كم، وتشويش إشارات الملاحة لجميع المنظومات الفضائية الرئيسية — بما فيها GPS وGLONASS وGalileo وBeiDou، على مسافة تتراوح بين 15 و20 كم. أهميتها للسعودية واضحة ومباشرة: مسيّرات شاهد تعتمد بشكل أساسي على إشارات الملاحة الفضائية، وتشويش هذه الإشارات يعني إضلالها عن مسارها قبل أن تصل إلى هدفها، دون الحاجة لإطلاق أي شيء عليها.

Ukraine Develops Algiz AM Electronic Warfare System to Counter Mavic-Type  Drones

وهناك أيضاً «Algiz AM»، وهي منظومة من الجيل الأحدث طُوّرت عبر منصة Brave1 وتستهدف تحديداً قمع قنوات اتصال المسيّرات. تتميّز بقدرتها على تغيير اتجاه الإشعاع بزاوية 360 درجة للاستجابة السريعة للتهديدات من جميع الاتجاهات، مع إمكانية التحكّم بها عن بُعد من موقع آمن.

لكن ما يلفت الانتباه فعلاً هو المدى الذي وصل إليه الابتكار الأوكراني في هذا المجال. فإلى جانب المنظومات الكبيرة مثل «Enclave» و«Note» و«SHATRO» و«Eter» و«Hecate»، ومنظومات الخنادق الأحدث مثل «Dandelion» و«PARASOL» المصمّمة لحماية القوات والبنية التحتية الحيوية، طوّرت أوكرانيا أجهزة حرب إلكترونية شخصية محمولة. من بينها «مسدس مكافحة المسيّرات» (Anti-Drone Pistol)، وهو جهاز لا يزن سوى كيلوغرام واحد ويُشوّش على المسيّرات على مسافة تصل إلى 100 متر — أي أن الجندي الفرد بات يحمل في يده قدرة دفاعية كانت حتى وقت قريب حكراً على وحدات متخصصة. وهناك أيضاً نظام «Chuika 3.0» الذي يمثّل مفهوماً مختلفاً تماماً: فبدلاً من تشويش المسيّرة، يعترض إشارات الفيديو الصادرة عنها ويعرض ما يراه المشغّل المعادي في الزمن الحقيقي — أي يُحوّل سلاح العدو إلى أداة استطلاع لصالح المدافع.

الطبقة الثالثة: الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات

وهنا يبدأ الجزء الأكثر عمقاً في الاتفاقية، والذي يُفسّر لماذا وصفها المسؤولون بأنها تتجاوز مجرد «بيع معترضات». تخيّل سيناريو هجوم إيراني نموذجي: عشرات المسيّرات من طرازات مختلفة تقترب من عدة اتجاهات، بعضها مسيّرات شاهد بطيئة نسبياً، وبعضها أسرع وأكثر تطوراً، وربما يرافقها صواريخ باليستية. السؤال الحاسم ليس «هل نملك أسلحة اعتراضية كافية؟» بل «كيف نخصّص كل سلاح للتهديد المناسب في الزمن المناسب؟». إطلاق صاروخ باتريوت بأربعة ملايين دولار على مسيّرة شاهد بثلاثين ألف دولار هو هدر كارثي، لكن إطلاق مسيّرة اعتراضية بألفَي دولار على صاروخ باليستي هو انتحار. المطلوب هو «عقل» يُميّز بين الاثنين ويوجّه كلاً منهما إلى السلاح المناسب.

هذا بالضبط ما يفعله الذكاء الاصطناعي الأوكراني. فالاتفاق، كما كشف المسؤولون ، يشمل بناء منظومة ذكية متكاملة تدمج بين مكوّنات الدفاع الجوي المتنوعة وتُديرها عبر الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات المتقدمة. عملياً، تتضمّن هذه الطبقة عدة قدرات حيوية: أنظمة إنذار مبكر تتعلّم أنماط الهجوم الإيرانية وتتنبأ بمسارات المسيّرات استناداً إلى بيانات آلاف العمليات السابقة، ومنظومات تصنيف تلقائي تُميّز بين أنواع المسيّرات المختلفة وتحدّد أولويات الاعتراض، فضلاً عن خوارزميات تخصيص ذكي توجّه كل سلاح اعتراضي نحو التهديد الأنسب لقدراته.

Brave1 - Palantir Tie-up to Facilitate AI Systems in Ukraine's Defence  Efforts - Orbital Today

وقد عزّزت أوكرانيا هذه القدرات بإطلاق منصة «Brave1 Dataroom» بالتعاون مع شركة Palantir الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2026، وهي بيئة رقمية آمنة تتيح استخدام بيانات ميدانية حقيقية من ساحة المعركة لتطوير وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي عسكرية. وكما وصف ماركو كوشنير، المتحدث باسم شركة General Cherry: «حلقة التغذية الراجعة بين الجبهة والمصنّع قصيرة جداً — يمكننا الحصول على ملاحظات صباحاً، وفي المساء يكون لدينا حلّ يتعامل مع المهام الجديدة في ساحة المعركة». هذه الحلقة هي ما يجعل الذكاء الاصطناعي الأوكراني مختلفاً عن أي نموذج نظري أو مختبري: إنه ذكاء اصطناعي شُحذ بالنار، حرفياً.

الطبقة الرابعة: الخبرة التشغيلية

تبيع كثير من الدول أسلحة، لكن قليلاً منها يستطيع أن يقول للمشتري: «لقد استخدمنا هذا السلاح كل ليلة على مدى أربع سنوات ضد التهديد ذاته الذي تواجهه أنت الآن». هذا بالضبط ما تقدّمه أوكرانيا.

وتؤكّد النتائج الميدانية فعالية هذه الخبرة بأرقام مذهلة: حققت دفاعات أوكرانيا الجوية نسبة اعتراض بلغت 97% ضد المسيّرات الروسية في أحدث الهجمات، فيما أُسقط 70% من مسيّرات شاهد المهاجمة فوق كييف الشهر الماضي باستخدام المسيّرات الاعتراضية وحدها — دون الحاجة إلى منظومات صاروخية باهظة الثمن. لكن نقل هذه الخبرة ليس بالأمر البسيط، إذ أشار يوري تشيريفاشينكو، نائب قائد قوات الدفاع الجوي الأوكرانية، إلى أن المسيّرات تواجه تحديات فريدة في بيئة الشرق الأوسط — كالعواصف الرملية مثلاً — تختلف عمّا واجهته في سماء أوكرانيا. ومع ذلك، أكّد أن نجاح الاعتراض يعتمد في نهاية المطاف على مهارات الطيّار وقدرته على التكيّف — وهذا ما يوفّره التدريب المباشر.

المعادلة الاقتصادية: لماذا تحتاج السعودية هذه المنظومة تحديداً؟

لوضع الأمور في سياقها العملي، يكفي النظر إلى أرقام الأسبوع الأول من الحرب على إيران لإدراك حجم الأزمة الاقتصادية في نموذج الدفاع الجوي التقليدي. أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ باليستي وقرابة 2,000 مسيّرة خلال ذلك الأسبوع، ما استلزم استخدام نحو 800 صاروخ باتريوت اعتراضي — أي أكثر مما حصلت عليه أوكرانيا في أربع سنوات كاملة من الحرب. وبتكلفة تتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين دولار للصاروخ الواحد، فإن فاتورة ذلك الأسبوع وحده تجاوزت ملياري دولار من صواريخ الاعتراض فقط.

المفارقة الصارخة هي أن جزءاً كبيراً من هذه الصواريخ الباهظة أُطلق على مسيّرات شاهد لا تتجاوز تكلفتها 20,000 إلى 50,000 دولار للواحدة. أي أن المدافع كان يُنفق 4 ملايين دولار لتدمير هدف بثلاثين ألف دولار. في هذه المعادلة، يربح المهاجم حتى لو خسر كل مسيّراته، لأن استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية هو بحدّ ذاته هدف استراتيجي. والأخطر أن المخزون العالمي من صواريخ باتريوت محدود ولا يمكن تعويضه بسرعة، بينما تمتلك إيران آلاف المسيّرات وقدرة على إنتاج المزيد بوتيرة أسرع بكثير.

النموذج الأوكراني يقلب هذه المعادلة. فمسيّرة اعتراضية بألفَي دولار تُسقط مسيّرة شاهد بعشرات الآلاف — فيصبح الدفاع أرخص من الهجوم، ويُحفظ المخزون الاستراتيجي الثمين من صواريخ باتريوت للتهديدات الباليستية التي لا يمكن التعامل معها بأي وسيلة أخرى. وقد عرضت أوكرانيا في هذا السياق صيغة مبادلة ذكية: تزويد دول الخليج بمسيّراتها الاعتراضية الرخيصة مقابل الحصول على صواريخ دفاع جوي متقدمة تحتاجها كييف لصدّ الهجمات الصاروخية الباليستية الروسية — وهو ترتيب يُحقّق مصلحة الطرفين ويعكس جوهر ما وصفه زيلينسكي بـ«التعاون المثمر للطرفين معاً».

التحدي القادم: سباق تسلّح لا يتوقف

لا تخلو الصورة من تحديات جوهرية ينبغي فهمها بوضوح. فالتهديد الذي تواجهه هذه المنظومات ليس ثابتاً، بل يتطوّر بوتيرة متسارعة.

كشفت تقارير حديثة أن مسيّرات شاهد في نسخها المتطورة باتت تُتحكَّم عبر شبكات الهاتف المحمول وتطبيق تيليغرام بدلاً من GPS، وتستخدم ذكاءً اصطناعياً لتعديل مساراتها ذاتياً، وتعمل على ارتفاعات أعلى تتراوح بين 2,000 و3,000 متر. هذا التطوّر أدّى فعلاً إلى تراجع نسبة الاعتراض ضد بعض الطرازات المتقدمة من أكثر من 90% إلى نحو 30% مطلع 2025 — قبل أن تتكيّف المنظومات الأوكرانية مجدداً.

والتحدي الأكبر يتمثّل في مسيّرة «Geran-5» الروسية التي تصل سرعتها إلى 600 كم/ساعة، وهي نظرياً أسرع من جميع المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية الحالية. كما أن التبادل التقني الروسي-الإيراني يُفاقم المشكلة: تتشارك موسكو وطهران بيانات الأقمار الاصطناعية وتقنيات شاهد المحسّنة، مما يعني أن التهديد الذي تواجهه السعودية اليوم ليس هو نفسه الذي ستواجهه بعد ستة أشهر.

غير أن هذا التحدي ذاته، وهنا تكمن المفارقة، هو ما يجعل الخبرة الأوكرانية أكثر قيمة وليس أقلّ. فأوكرانيا لا تبيع منتجاً مكتملاً جامداً، بل منظومة حيّة تتطوّر أسبوعياً استجابةً لتهديدات حقيقية. والمصنّعون الأوكرانيون أنفسهم يدركون ذلك ويعملون بالفعل على الجيل التالي من المعترضات الذي يُعامل سرعة 500 كم/ساعة كحدّ أدنى تصميمي لا كسقف.

خلاصة

لا تُقدّم أوكرانيا للسعودية سلاحاً واحداً أو حلاً جاهزاً، بل فلسفة دفاعية متكاملة وُلدت من رحم أربع سنوات من الحرب اليومية ضد المسيّرات الإيرانية ذاتها التي تستهدف المملكة اليوم. تقوم هذه الفلسفة على مبدأ بسيط وعميق في آن: مقابلة التهديدات الرخيصة بحلول أرخص منها، مع توظيف الذكاء الاصطناعي والخبرة التشغيلية المتراكمة لتحقيق أقصى فعالية بأقلّ تكلفة. وفي وقت تُستنزف فيه مخزونات صواريخ باتريوت بوتيرة غير مسبوقة ويتطوّر فيه التهديد الإيراني بسرعة مقلقة، قد يكون النموذج الأوكراني — بطبقاته الأربع المتكاملة من المعترضات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية — هو الإجابة الأكثر واقعية واستدامة لمعضلة الدفاع الجوي في الخليج.


تعليقات