من سوريا إلى سلوفيينيا: رحلة اللاجئة السورية فطوم غنيمة في تحويل الطهي إلى مصدر رزقها

من سوريا إلى سلوفيينيا: رحلة اللاجئة السورية فطوم غنيمة في تحويل الطهي إلى مصدر رزقها
من سوريا إلى سلوفيينيا: رحلة اللاجئة السورية فطوم غنيمة في تحويل الطهي إلى مصدر رزقها

 عند وصول فطوم إلى سلوفيينيا هالها البرد هناك، وتتذكر تلك الأيام فتقول: "كان ذلك في شهر تشرين الثاني، وكان البرد قارصاً، ونحن في سوريا لا نشهد شتاء كهذا، لذا، كانت تلك أول مرة في حياتي أحس معها بهذا البرد".

غادرت فطوم سوريا في عام 2015 برفقة زوجها محمد غنيمة، وولديهما، تاركين وراءهم الحياة في حلب، وذلك عندما جعلت الحرب أمر البقاء هناك مستحيلاً. وكغيرهم من ملايين الناس، اضطروا للنزوح بحثاً عن الأمان. ففي سوريا، كان لدى والدها مشروع تجاري صغير، أما والدتها فكان لديها صالون حلاقة عملت فيه فطوم وهي تتابع دراستها، وعن ذلك تقول: "لم نختر سلوفيينيا، بل اخترنا الأمان".


بداية جديدة في بلد غريب


بعد النزوح بسبب النزاع، أمضت الأسرة بعض الوقت في اليونان، قبل أن تنتقل في نهاية الأمر إلى سلوفيينيا، ذلك البلد الذي لم تسمع فطوم عنه بحياتها، ولهذا تقول: "عندما قرأنا عن سلوفيينيا واكتشفنا بأنها آمنة، اكتفينا بذلك، إذ كل ما نريده هو بلد آمن من أجل ولدينا، حيث يمكننا أن نعيش كأشخاص طبيعيين".



أمضت الأسرة ثلاثة أشهر في مركز لاستقبال اللاجئين قبل أن تحصل على الحماية الدولية، وتنتقل إلى شقتها الخاصة. إلا أن التأقلم على الحياة خارج المركز لم يكن سهلاً.

تتذكر فطوم ما حدث فتقول: "في المركز، كنا نمضي الوقت بالانتظار، إذ لا يمكن للمرء مزاولة أي شيء هناك، أما خارجه، فقد أصبح كل شيء جديداً علينا، وأعني بذلك اللغة والثقافة والناس".



ومما زاد الأمور صعوبة هو الاختلاف الواضح لدى تلك الأسرة، والذي شرحته فطوم بقولها: "إنني أرتدي الحجاب ولقد أتيت من بلد مختلف، ولهذا عندما كنت أسير في الشارع، كنت أحس بنظرات الناس".

وبمرور الوقت، بدأت فطوم تألف ذلك المجتمع، وعنه تقول: "كان أغلب الناس لطفاء، فقد ساعدونا وتحدثوا إلينا، ورحبوا بنا، وهذا ما بقي لنا في نهاية الأمر".


من الطبخ المنزلي إلى المشروع الريادي


حصلت فطوم على دعم من منظمة غير حكومية سلوفيينية تتبع لمفوضية اللاجئين الأممية منذ سنوات طويلة، وهذه المنظمة تدعم اللاجئين على الاستقرار في المجتمع المحلي وإعادة بناء حياتهم عبر توفير المساعدة العملية لهم، والتي تشمل مساعدتهم في تحصيل رعاية صحية، وتعليم، وخدمات التوظيف والمصارف.

وبينما تقدم سلوفيينيا اللجوء والخدمات الأساسية للمهاجر، يظل معظم اللاجئين بحاجة لدعم عملي مباشر ليتغلبوا على العوائق العملية والاجتماعية في حياتهم اليومية. وبالنسبة لفطوم وأسرتها، فإن هذا الدعم يعني المساعدة بكل شيء، بدءاً من حجز مواعيد لدى الأطباء، وصولاً إلى فتح حساب في البنك، إلى جانب تلك الفرصة التي غيرت كل شيء في حياتها وحياة أسرتها.

تحدثنا فطوم عن ذلك فتقول: "كانوا يحتاجون في أحيان كثيرة لخدمات إطعام من أجل مناسباتهم، فسألوني إن كان بوسعي أن أطبخ لهم، فوافقت، لأني أحب الطبخ كثيراً".

اقرأ أيضاً


من مقاعد اللجوء إلى قمة المنصة.. سوري يتوّج بطلاً لفيينا في الخطابة

وأتى الرد على الفور، إذ تقول فاطمة: "تذوق الناس الطعام وأعجبوا به ونصحوني بافتتاح مطعم في يوم من الأيام".

وهكذا، فإن ما بدأ كخدمة إطعام في المناسبات بتنظيم من منظمة غير حكومية سلوفيينية، توسع بالتدريج ليشمل الاجتماعات والاحتفالات العامة والخاصة، فصارت فطوم وزوجها يعملان من دون كلل أو ملل، لمدة 12 ساعة في اليوم في معظم الأحيان، ويوفران كل يورو وهما يتناوبان على رعاية ولديهما.

تعلق فطوم على ذلك بقولها: "لم نكن نمضي عطلة نهاية الأسبوع سوية، ولكن كانت لدينا خطة".

التعرف إلى القواعد والقفزة النوعية

كانت خطتهما تقوم على افتتاح مطعم خاص بهما، إلا أن افتتاح مطعم في بلد جديد يعني البدء من الصفر، كما كان على الزوجين أن يتعرفا على قواعد الأمان الغذائية ونظام الضرائب والأذونات المطلوبة، وكذلك توقعات الزبائن.

تشرح لنا فطوم ما حدث فتقول: "عمل زوجي في مطاعم سلوفيينية ليتعلم طريقة عمل كل شيء فيها، لأن الأمور مختلفة تماماً في سوريا".


وعندما عثرا على مطعم صغير كان أصحابه على وشك إغلاقه، قررا اغتنام تلك الفرصة، فاتفقا معهم على دفع أقساط شهرية إلى جانب تسيير معاملة الترخيص المطلوبة.

بعد عشرة أيام من توليهما الأمور في ذلك المكان، فتحا أبوابه أمام الناس، وتعترف فطوم بأنهما كانا خائفين لكنهما تشجعا على القيام بتلك الخطوة، فتجاوزا تلك المجازفة بأمان.


أضحى مطعم الياسمين اليوم من المطاعم الناجحة والمتميزة في قلب العاصمة السلوفيينية ليوبليانا، و90% من زبائنه سلوفيينيون، إلا أن ما يجذبهم إليه هو قائمة الأطعمة التي تمازج ما بين النكهات السورية والأذواق السلوفيينية.

تحدثنا فطوم عند ذلك وقد ارتسمت ابتسامة على شفتيها، فتمضي قائلة: "إنهم لا يحبون إضافة كمية كبيرة من التوابل الحارة، ولهذا تعرفنا على ذوقهم وعدلنا الوجبات بناء على ذلك، أي أننا مزجنا بين ثقافتين".


مكان يشبه سوريا


بمجرد أن تخطو داخل مطعم فطوم تحس أنك أصبحت في سوريا، فالديكور المؤلف من أشياء مصنوعة يدوياً مستوحاة من منطقة الشرق الأوسط لتعبر عن التراث الذي تعتز به فطوم والتي تقول: "يسألنا كل زبون عن مصدر تلك الأشياء، كونها تعبر كلها عن سوريا، وهنالك بعض القطع التي أتينا بها من تركيا والأردن".


أصبح لدى المطعم اليوم ست موظفين بينهم أشخاص من سلوفيينيا وسوريا وفلسطين ونيجيريا، وهذا ما جعل منه مركزاً للتنوع والمشاركة.ش


 

A woman hanging a piece of art on a wall

فطوم وهي تزين مطعمها

 

وإلى جانب إدارة المطعم، تعمل فطوم أيضاً مترجمة فورية بين اللغتين العربية والسلوفيينية، فتدعم جاليات اللاجئين ومنظماتهم، كما تقدم خدماتها في الدوائر الحكومية، فقد تعلمت السلوفيينية خلال سنة من وصولها إلى هذا البلد إلى جانب وصولها إلى مرحلة الدراسات العليا في الاقتصاد.

"أنتمي إلى هذا المكان"

تتمنى فطوم أن تساعد قصتها الناس في فهم الخبرات التي تترتب على النزوح القسري بشكل أفضل، ولهذا تقول: "يعتقد بعض الناس بأننا أتينا إلى أوروبا من أجل المال، ولكن إن لم تقم في سوريا حرب، لما غادرناها بحياتنا، فقد كان وضعنا جيداً هناك".

 

A man and a woman standing next to some colourful wall hangings

فطوم برفقة زوجها في مطعمهما

 

عثرت فطوم من خلال الطعام على طريقة حملت من خلالها أجزاء من حياتها في سوريا إلى هنا، وشاركتها مع بقية الناس في بلدها الجديد، ولهذا تقول: "عندما يجلس سلوفيينيون في مطعمنا ويتناولون طعامنا أحس بانتماء شديد لهذا المكان".

 

تعليقات