اليونان: سودانيون متهمون بتهريب المهاجرين يستنكرون "ظروف احتجاز غير إنسانية وتجاوزات أثناء المحاكمة"

اليونان: سودانيون متهمون بتهريب المهاجرين يستنكرون "ظروف احتجاز غير إنسانية وتجاوزات أثناء المحاكمة"
اليونان: سودانيون متهمون بتهريب المهاجرين يستنكرون "ظروف احتجاز غير إنسانية وتجاوزات أثناء المحاكمة"


 شهد العام الماضي إصدار المحاكم اليونانية العديد من أحكام السجن بحق مهاجرين سودانيين اتُّهموا بتهريب مهاجرين آخرين، وذلك بالتزامن مع زيادة كبيرة في أعداد المهاجرين السودانيين الوافدين إلى البلاد، لا سيما جزيرة كريت. ويحاول السودانيون في اليونان تنظيم أنفسهم لتسليط الضوء على "ظروف الاحتجاز غير الإنسانية" و"التجاوزات في المحاكمة وخلال إجراءات الاعتقال".

"مع وصول أي قارب مهاجرين إلى كريت، تتناقل وسائل الإعلام أن السلطات اعتقلت مهربَيْن أو ثلاثة، لكن ما هي الإجراءات القانونية التي تطبّق خلال عمليات التوقيف وأثناء المحاكمة؟"، يتساءل مصطفى أحمد، في اتصال مع مهاجرنيوز، وهو ناشط سوداني في مجموعة "متاريس اليونان" وحملة "50 آوت أوف ماني" (50 out of many).

وبحسب الناشط، تَلَقّى مع مجموعة من الناشطين خبر تواجد 50 سودانيا في سجن للقاصرين في أثينا، في نيسان/أبريل الماضي. وتابع "حاولنا أن نتواصل معهم، كتبنا لهم رسائل وأرقام هواتف ليتصلوا بنا، ثم بدأنا نستقبل المكالمات، وعرفنا أنهم متهمون بتهريب المهاجرين من ليبيا إلى جزيرة كريت، سواء كانوا قد قادوا القارب أو ساعدوا في عملية عبور البحر أو كانوا مسؤولين عن جهاز تحديد المواقع (جي بي أس) على القارب".


السودانيون ينظمون أنفسهم لمواجهة "ظروف الاحتجاز غير الإنسانية"

ورداً على أسئلة مهاجرنيوز، وصف سبيريدون بانتاديس، محامي الدفاع الجنائي، السجون والمراكز التي يحتجز ويسجن فيها هؤلاء المتهمون، لا سيما وأنه عمل على قضايا تتعلق بمهاجرين سودانيين متهمين بتهريب المهاجرين. وقال "يُحتجزون في مراكز إصلاحية حيث ظروف الاحتجاز غير إنسانية، وتُهدر فيها الكرامة الإنسانية، ويُفقد الأمل. يعيشون كل يوم في زنازين مكتظة، بعضهم محروم من التعليم، ويواجهون نقصاً في الضروريات الأساسية والرعاية، ويعانون من الخوف وانعدام الأمن الدائمين. ببساطة، لا عدالة خلف القضبان".

ووفقاً للناشطين الذين تواصل معهم فريق مهاجرنيوز، يتم احتجاز المهاجرين المتهمين لنحو ستة أشهر على الأقل قبل المحاكمة، وغالبا ما يكونون في سجني "أفيلونا وخانيا" في جزيرة كريت. يشرح مصطفى أحمد "سجن خانيا سيء. لا صابون ولا ملابس، ولا رعاية صحية ولا مستلزمات للنظافة الشخصية".

وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مثّل السودانيون العام الماضي ثاني أكثر جنسية وصولا لليونان عبر البحر، بعد الأفغان، بينما لم يكونوا ضمن الجنسيات الخمس الأولى للوافدين في 2024. حيث وصل منذ بداية 2025 حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر 7.343 سودانيا، معظمهم إلى جزيرتي كريت وغافدوس.

الهجرة إلى جزيرتي كريت وغافدوس اليونانيتين. المصدر: مهاجرنيوز
الهجرة إلى جزيرتي كريت وغافدوس اليونانيتين. المصدر: مهاجرنيوز


دفع هذا الوضع بالشبان السودانيين إلى تنظيم أنفسهم، يقول مصطفى "الجالية السودانية منظمة بشكل جيد في اليونان، منذ شهر نيسان/أبريل، أنشأنا مجموعات تواصل حتى نتبادل أرقام المنظمات ونساعد بعضنا البعض. بدأنا بـ45 شخصا، الآن تضم مجموعتنا 950 شخصا منتشرين في الجزر والمدن. كل مخيم أو مركز لديه مجموعة خاصة به، وهناك مجموعة عامة على مستوى اليونان".

كما بدأ السودانيون بتنظيم إضرابات عن الطعام للمطالبة بالإفراج عن "المهربين المزعومين" وتحسين الظروف في مراكز الاحتجاز والسجون، يشرح مصطفى "اقترح الشبان تصعيد الموضوع في تشرين الأول/أكتوبر، عندما اقترح ستة أشخاص القيام بإضراب عن الطعام. اليوم (17 كانون الأول/ديسمبر)، تمكنا من تنظيم إضراب عن الطعام في سبع مراكز ولمدة يومين، شارك فيه 65 سودانيا. وذلك للفت نظر السلطات والمطالبة بمحاكمات عادلة، أو عدم محاكمتهم (السودانيين المتهمين بتهريب المهاجرين) من الأساس".

"تجاوزات في المحاكمة"

ومعظم المتهمين لا يوكلون محامين لعدم درايتهم بالإجراءات، وبالتالي يقوم قاضي المحكمة بتوكيل محام تابع للدولة في بداية جلسة المحاكمة للدفاع عن المتهم، وبناء على ذلك "يتعرف المحامي على قضية موكله خلال الجلسة"، يستنكر مصطفى أحمد.

مجموعة من المهاجرين، عُثر عليهم خلال عملية بحث قبالة جزيرة غافدوس، يسيرون للصعود إلى الحافلات لنقلهم إلى منشأة مؤقتة في ميناء "أجيا غاليني" في جزيرة كريت. كانون الأول/ديسمبر 2025. المصدر: REUTERS / Stefanos Rapanis
مجموعة من المهاجرين، عُثر عليهم خلال عملية بحث قبالة جزيرة غافدوس، يسيرون للصعود إلى الحافلات لنقلهم إلى منشأة مؤقتة في ميناء "أجيا غاليني" في جزيرة كريت. كانون الأول/ديسمبر 2025. المصدر: REUTERS / Stefanos Rapanis


ومن جانبه، شرح المحامي سبيريدون بانتاديس "نواجه ظاهرة مقلقة تتمثل في بناء القضايا بوتيرة سريعة مثيرة للقلق، حيث تعتمد المحكمة على الشهود استنادا إلى إفادة واحدة فقط لخفر السواحل، دون منح الدفاع فرصة استجوابهم في جلسة علنية كجزء من إجراءات جنائية حقيقية قائمة على الخصومة".

وأكد بانتاديس الشهادات التي تلقاها فريق مهاجرنيوز حول مستوى الترجمة الفورية والتحريرية خلال إجراءات التوقيف والمحاكمة. وشرح "سواء في مرحلة ما قبل المحاكمة أو أثناء إجراءات المحكمة نفسها، مستوى الترجمة متدنٍ للغاية ولا يفي بالحد الأدنى من متطلبات عملية قضائية عادلة تديرها الدولة. هذا القصور المنهجي يُقوّض ممارسة حقوق الدفاع بشكل فعّال ويحرم المتهم من القدرة على فهم الإجراءات والمشاركة فيها بشكل هادف ومستنير".

وأردف مصطفى أحمد أنه لاحظ وجود تجاوزات كبيرة بموضوع المترجمين في المحكمة، "المترجمون ليسوا مسجلين في المحكمة، أحيانا يكونوا مساجين آخرين، يترجمون وهم أيديهم مقيّدة. في محكمة اليوم على سبيل المثال (17 كانون الأول/ديسمبر) تدخلنا وتكلمنا أثناء المحكمة، لأنه كان يتم الضغط على المتهم وهو صغير بالعمر، حتى يوقع على أوراق اعترافه. والمترجم لم يكن يشرح له تبعات ذلك على قضيته وحياته".


وكانت قد عُقدت محاكمة في 17 كانون الأول/ديسمبر، لـ31 من هؤلاء المهاجرين الشباب ومعظمهم سودانيون أمام محكمة خانيا، وفي ختام محاكمة وصفتها منظمات دعم المهاجرين في اليونان بأنها موجزة، حُكم على 10 سودانيين بالسجن 10 سنوات، وعلى أربعة مصريين بالسجن المؤبد. فيما أُجّلت جلسات الاستماع للمتهمين الـ17 الآخرين إلى 29 كانون الأول/ديسمبر. وأدانت المحكمة اليونانية المهاجرين بتهمة "النقل غير الشرعي لمهاجرين غير نظاميين".


وشرح المحامي بانتاديس أنه إذا أدين شخص متهم بتهريب المهاجرين من دون تخفيف الحكم، يصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 25 عاما، ويقضي في السجن فعليا ما يقرب من 16 عاماَ. أما إذا صدر بحقه حكم مخفف، فيكون لمدة 10 أعوام، يقضي منها عامين ونصف.  

ويحاول مصطفى رفقة نشاطين آخرين شرح بعض الأمور القانونية والحقوق للشبان القابعين خلع القضبان، مثل حقهم في استئناف حكم المحكمة، يقول "خلال 10 أيام بعد الحكم يجب أن يقدم المتهم طلب الاستئناف. ويستغرق إعادة النظر في قضيته من 10 إلى 12 شهراً".

ولا تعتبر هذه القضايا جديدة، إذ تتبنى السلطات اليونانية منذ سنوات سياسة تقضي بتجريم الأشخاص الذين يقودون قوارب المهاجرين. وبالنسبة لبانتاديس فإن هذه القضايا تُثير "معضلات أخلاقية وحقوقية عميقة"، وتساءل مستنكراً "هل يُمكن لنظامنا القانوني، المتوافق مع التزامه بكرامة الإنسان ومبدأ التناسب، أن يتسامح مع فرض عقوبات قاسية كهذه على أفراد وجدوا أنفسهم، بمحض الصدفة، يقودون السفينة بدلاً من البقاء بين ركابها؟ هل يتوافق مع أبسط مفاهيم العدالة والإنسانية أن يقضي ضحايا الحرب الأهلية السودانية شبابهم محرومين من الحرية، لمجرد حرمانهم من الفرص والحماية التي يتمتع بها الآخرون كحق مكتسب؟". 

لم تجب السلطات اليونانية على أسئلة مهاجرنيوز.


تعليقات