تعمل الإدارة الأميركية، وفق مصادر دبلوماسية، على صياغة مسار جديد لإنهاء الحرب في السودان قبل نهاية العام الجاري، في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جدية منذ اندلاع النزاع. هذا التحرك يتضمن إعداد قائمة محاسبة بحق المتورطين في الفظائع والانتهاكات، إلى جانب ضغوط سياسية واقتصادية متصاعدة على الأطراف المتحاربة، بما يعكس أولوية قصوى لدى واشنطن لإيقاف القتال وإعادة إطلاق العملية السياسية.
المصادر أكدت أن واشنطن أعدت بالفعل قائمة تضم أسماء شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في السودان، في إطار مساعٍ لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم. هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني، وتأتي بعد فشل محاولات متكررة لتثبيت وقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع.
في ظل تعثر الجهود الدبلوماسية، تبحث الولايات المتحدة فرض عقوبات أوسع تشمل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعد أن أخفق مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مسعد بولس، في التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. بالتوازي، تستعد النرويج لاستضافة محادثات تهدف إلى وضع أسس لاستعادة الحكم المدني، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية على نحو غير مسبوق مع اتساع النزوح وتزايد أعداد الضحايا.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أن العمل بدأ لإنهاء الحرب في السودان، استجابة لطلب مباشر من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. بولس، الذي يرتبط بعلاقة عائلية مع ترامب، يقود منذ أشهر محاولات لإقناع الجيش والدعم السريع بقبول وقف إطلاق النار، لكن جهوده لم تحقق نتائج ملموسة. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وصف ترامب بأنه الزعيم الوحيد القادر على حل الأزمة السودانية، فيما اعتبر دبلوماسي عربي أن التدخل الأميركي يمنح زخماً جديداً لمسار السلام.
بحسب تقارير غربية، أُبلغت الأطراف المتحاربة أن واشنطن قد تستخدم مجموعة أوسع من العقوبات ضد الجهات التي تعرقل وقف إطلاق النار. وزارة الخارجية النرويجية تستعد لدعوة أطياف واسعة من المجتمع السوداني إلى أوسلو خلال الأسابيع المقبلة لوضع معايير لاستعادة الحكم المدني. الأمم المتحدة أشارت إلى أن الحرب أسفرت عن سقوط 40 ألف شخص، بينما تؤكد جماعات حقوقية أن العدد أكبر بكثير، إضافة إلى نزوح أكثر من 14 مليون شخص، ما جعل الأزمة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.
التحرك الأميركي ترافق مع تحذير المفوض السامي لحقوق الإنسان من موجة جديدة من الفظائع في كردفان، حيث وثقت المفوضية منذ 25 أكتوبر سقوط 269 مدنياً نتيجة الغارات الجوية والقصف المدفعي والإعدامات الميدانية. بعد تدخل ولي العهد السعودي، يُرجح أن واشنطن ستوسع نطاق العقوبات لتشمل أطرافاً إضافية، إلى جانب تمديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور. حتى الآن اقتصرت العقوبات الأميركية على قيادات الجيش والدعم السريع، وعدد من الإسلاميين المرتبطين بالجيش، إضافة إلى شركات إماراتية.
في سبتمبر، طرحت مجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر خطة لهدنة إنسانية لثلاثة أشهر، تتبعها عملية سياسية لتسعة أشهر تنتهي بحكم مدني. قوات الدعم السريع أبدت قبولاً شكلياً لكنها واصلت القتال، فيما رفض الجيش الخطة بغضب، متهماً الرباعية بالتحيز، وهو ما أثار استياء المبعوث الأميركي بولس. الجيش اعتبر أن المقترح يستهدف حل المؤسسة العسكرية، التي تعد حجر الزاوية في بنيته.
في سياق متصل، تهديد ترامب بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية، والذي دعمته لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، قد يضعف الجيش المتهم بارتباطات واسعة مع الحركة. تقارير غربية أشارت إلى أن الجيش ربما يدرس تأجير ميناء لروسيا لفترة طويلة، إضافة إلى مزاعم منعه وصول الأمم المتحدة لتقييم استخدام أسلحة كيميائية. الإمارات، التي تعارض نفوذ الإسلام السياسي، تؤكد أن القضاء على جماعة الإخوان يجب أن يبقى محورياً في نهج الغرب تجاه المنطقة.
في تصريحات جديدة، كشف الطيب عثمان يوسف، الأمين العام للجنة تفكيك تمكين الإخوان التي شُكّلت عقب الإطاحة بنظام عمر البشير، أن اللجنة تحتفظ بقاعدة بيانات متكاملة عن عضوية المؤتمر الوطني، الجناح السياسي للتنظيم، الذي يسيطر حالياً على مفاصل الدولة. وأوضح أن هذه المعلومات تمثل دعماً قوياً للتوجهات الرامية إلى تصنيف التنظيم جماعة إرهابية، مشيراً إلى أن اللجنة جمعت خلال فترة عملها بيانات تكشف حجم الفساد والجرائم التي ارتكبها التنظيم خلال ثلاثة عقود من الحكم.
تصريحات يوسف جاءت في ظل انتقادات حادة وُجهت إلى الفريق عبد الفتاح البرهان بعد إنكاره وجود الإخوان في السلطة، رغم ما وصفه يوسف بالهيمنة الكبيرة لعناصر التنظيم على مؤسسات الدولة. وأكد أن حديث البرهان يتناقض مع الواقع، مقدراً سيطرة الإخوان على أكثر من 95% من مفاصل الدولة، عبر شبكة مصالح اقتصادية تضم تجاراً ومستوردين وأصحاب نفوذ في مختلف القطاعات، إلى جانب عناصر مدنية وعسكرية تواصل إدارة مفاصل السلطة.


تعليقات
إرسال تعليق