ميناء عصب يتحول إلى بؤرة توتر إقليمي يهدد السودان واليمن ومخاوف من حرب

ميناء عصب يتحول إلى بؤرة توتر إقليمي يهدد السودان واليمن ومخاوف من حرب
ميناء عصب يتحول إلى بؤرة توتر إقليمي يهدد السودان واليمن ومخاوف من حرب


  أعادت تصريحات وتحليلات سياسية وأكاديمية متقاطعة تسليط الضوء على البحر الأحمر باعتباره ساحة مفتوحة لصراع إقليمي متصاعد، في ظل تقارير تؤكد تحول مدينة عَصَب الإريترية إلى قاعدة عسكرية ولوجستية رئيسية للإمارات خلال حرب اليمن، مقابل تلويح إثيوبيا بإمكانية الوصول إلى البحر حتى بالقوة. ويحذر خبراء من أن أي تصعيد محتمل سيجعل السودان الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للتأثر، بسبب هشاشته الأمنية وانتشار المليشيات العابرة للحدود التي تنشط في أراضيه.

توتر متجدد

تشهد منطقة القرن الأفريقي تصاعداً في التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وسط مخاوف إقليمية ودولية من عودة الصراع بين البلدين اللذين عاشا عقوداً من التذبذب بين فترات هدوء نسبي وانفجارات عسكرية متكررة. ويأتي ميناء عصب والوصول إلى البحر الأحمر في صدارة الخلافات المزمنة بين الطرفين، فيما يتزامن هذا التصعيد مع لحظة حرجة تمر بها المنطقة بأكملها، حيث تتشابك الأزمات في السودان والبحر الأحمر واليمن، ما يجعل أي شرارة جديدة قابلة للتمدد خارج الحدود التقليدية للصراع.

صراع الجغرافيا

يقع ميناء عصب على ساحل البحر الأحمر في أقصى جنوب إريتريا قرب الحدود الإثيوبية، وكان الميناء البحري الرئيسي لإثيوبيا قبل استقلال إريتريا عام 1993. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت أديس أبابا تعتمد بنسبة تفوق 90 في المئة على موانئ جيبوتي لتسيير تجارتها الخارجية. ووفق تقارير منصة “جيسيكا” المعنية بشؤون القرن الأفريقي، فقد شهد الخطاب الإثيوبي منذ خريف 2023 تصعيداً ملحوظاً، بعدما وصف رئيس الوزراء آبي أحمد الوصول إلى البحر بأنه “مسألة وجودية” لإنهاء ما سماه “السجن الجغرافي” لإثيوبيا. وتشير المنصة إلى أن قرب الميناء من الأراضي الإثيوبية، بمسافة لا تتجاوز سبعين كيلومتراً، يجعله نقطة احتكاك عالية الخطورة في حال فشل المساعي الدبلوماسية. كما أن الحساسية الاستراتيجية لعصب لا تنبع من موقعه الجغرافي فقط، بل أيضاً من تاريخه الحديث، إذ تحول بين عامي 2015 و2021 إلى قاعدة عسكرية ولوجستية رئيسية للإمارات خلال حرب اليمن، بموجب اتفاق منح أبوظبي حق استخدام الميناء وقاعدة جوية مجاورة، مع استثمارات شملت توسيع المدرج وبناء مرافق تخزين ومرافئ عميقة لنقل الجنود والعتاد عبر البحر الأحمر.

علاقة متوترة

يرى الكاتب والمحلل السياسي النور حمد أن جذور التوتر بين إثيوبيا وإريتريا تعود إلى الحقبة التي استعمرت فيها الأولى الثانية، وهي فترة ألقت بظلالها الثقيلة على تاريخ العلاقة بين البلدين. فقد خاضت إريتريا حرب تحرير طويلة انتهت باستقلالها في مطلع تسعينيات القرن الماضي، عقب دورها المركزي في دعم جبهة تحرير التقراي والتحالف الإثيوبي الذي أطاح بنظام منغستو هايلي مريام. وبرغم هذا الإسهام، لم تنجح الدولتان في بناء علاقة مستقرة بعد الاستقلال، إذ ظلت الروابط اللغوية والدينية والثقافية عاجزة عن احتواء إرث الصراع، لتتجدد الحرب بعد سنوات قليلة فقط. ويشير حمد إلى أن فقدان إثيوبيا لميناء عصب بعد استقلال إريتريا يمثل واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين البلدين. ويضيف أن إثيوبيا، التي يتجاوز عدد سكانها المائة مليون نسمة، تحولت إلى دولة حبيسة تعتمد على موانئ جيبوتي وأرض الصومال البعيدة نسبياً وذات القدرة المحدودة، بينما كان يمكنها أن تشترط الحصول على منفذ بحري مقابل الاعتراف باستقلال إريتريا. ويرى أن إريتريا بدورها كان يمكن أن تقدم تسوية تمنح إثيوبيا إمكانية الوصول إلى البحر، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والأمني للبلدين، لكن الحسابات الجيوسياسية دفعت أسمرة إلى الإبقاء على قدرتها على الضغط عبر الموانئ، مستفيدة من حساسية إثيوبيا تجاه البحر الأحمر. كما لعب العداء المصري لإثيوبيا بسبب ملف مياه النيل دوراً في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، حيث استخدمت القاهرة السودان وإريتريا كأدوات ضغط في مراحل مختلفة من النزاع.

تهديد قائم

يشير النور حمد إلى أن تلويح إثيوبيا في السنوات الأخيرة بالوصول إلى البحر حتى بالقوة يمثل تهديداً واضحاً ينذر بإمكانية عودة الحرب ما لم يتوصل البلدان إلى اتفاق يمنح أديس أبابا منفذاً بحرياً يخفف اختناقها الجغرافي. ومع ذلك، يرى أن حل الأزمة ممكن إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية، خاصة أن ما يجمع البلدين من تاريخ وثقافة ولغة أكبر بكثير مما يربط إثيوبيا بمصر.

تعقيد الحلول

من جانبه، يرى السفير حيدر البدوي، الناطق الأسبق باسم وزارة الخارجية، أن احتمال الحرب بين البلدين قائم، لكنه يعتقد أن اشتعال المنطقة وتعدد الأزمات قد يحد من فرص اندلاع مواجهة واسعة، لأن العالم غير مستعد لتحمل حرب جديدة في منطقة حساسة مثل البحر الأحمر. ويؤكد أن هناك جهوداً كثيفة تبذل لاحتواء التوتر، لكن تعنت النظام الإريتري يعقد المشهد أكثر. ويضيف أن مشكلة إثيوبيا كدولة غير مطلة على البحر لا يمكن حلها إلا عبر اتفاقيات تضمن استخدام الموانئ المجاورة، وهو مسار يتطلب بيئة سلمية واستقراراً إقليمياً غائباً حتى الآن.

مناورة إقليمية

أما أستاذ العلوم السياسية إبراهيم كباشي، فيصف الصراع الإثيوبي الإريتري بأنه صراع متجدد يظهر ويختفي بتأثير العوامل الداخلية والخارجية. ويعتقد أن القرن الأفريقي يشهد حالة من الاستقرار النسبي تقلل من احتمالات العودة إلى حرب مباشرة، رغم إمكانية التصعيد كوسيلة للضغط السياسي أو تمرير أجندات وتحالفات جديدة. ويرى أن البحر الأحمر أصبح في مقدمة أولويات القوى الدولية بعد تداعيات الحرب اليمنية على التجارة العالمية. ويشير إلى أن الصراع لا يقتصر على ميناء عصب فقط، بل يتجاوز ذلك ليشمل عوامل أخرى غير مباشرة ترتبط بتشابكات مع فاعلين إقليميين ودوليين، حيث بدأت تتشكل تحالفات جديدة، من بينها التحالف الإريتري–المصري–الصومالي، وهو ما ينعكس على الأوضاع الجيوسياسية في الإقليم. ويضيف أن إثيوبيا تتمتع بمكانة مهمة على مستوى شرق أفريقيا والقارة الأفريقية عموماً، إذ تمتلك شبكة علاقات ممتدة وحضوراً واضحاً في الأجندة الدولية، ما يجعلها لاعباً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية.

السودان الحلقة الأضعف

يحذر كباشي من أن السودان سيكون الأكثر تأثراً بأي تصعيد بين إثيوبيا وإريتريا، نظراً لانهياره الأمني وتعدد المليشيات العابرة للحدود التي تنشط في أراضيه. ويوضح أن المنطقة أصبحت مفتوحة أمام معسكرات تدعم أطراف الحرب السودانية، سواء تلك المرتبطة بالجيش أو بقوات الدعم السريع، ما يجعل أي اضطراب إقليمي قادراً على إعادة تشكيل خريطة الصراع داخل السودان. ويضيف أن احتمال تمدد الحرب إلى النيل الأزرق يصبح وارداً في ظل أي توتر إقليمي، وأن تدفقات اللاجئين ستزيد الضغط الإنساني على بلد يعاني أصلاً من الانهيار. كما يشير إلى أن شبكات التهريب والجريمة المنظمة ستستغل أي فراغ أمني جديد، ما يضعف مؤسسات الدولة السودانية ويزيد صعوبة استقرارها. ويخلص كباشي إلى أن معالجة مشكلة الدول الحبيسة في أفريقيا، ومن بينها إثيوبيا، تحتاج إلى حلول تنبع من داخل القارة عبر الاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية القادرة على ابتكار مسارات للتعاون الاقتصادي وتحسين البنية التحتية وتوفير خيارات تجارية تقلل أسباب التوتر. ويرى أن أفريقيا تمتلك فرصاً واعدة لإطلاق مبادرات جديدة في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية، وأن استثمار هذا الهدوء النسبي يمكن أن يسهم في تهدئة الإقليم وتخفيف الضغوط التي تغذي الصراعات.


تعليقات