مثل المشهد القانوني في جمهورية قبرص تجاه اللاجئين السوريين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث تتقاطع فيه الضغوط السياسية والديموغرافية مع الالتزامات الإنسانية والدولية. النسبة الكاسحة (التي تقارب 98%) من السوريين الذين تُقبل طلباتهم لا يحصلون على "وضع لاجئ كامل" (Refugee Status)، بل يُمنحون صفة "الحماية الثانوية" (Subsidiary Protection).
1. الفجوة القانونية: اللجوء الكامل ضد الحماية الثانوية
بموجب قانون اللاجئين القبرصي المتوافق مع توجيهات الاتحاد الأوروبي، تختلف الحقوق الممنوحة للشخص بناءً على نوع الصفة القانونية الممنوحة له:
وضع اللاجئ الكامل: يُمنح لمن يثبت وجود خطر شخصي ومباشر عليه بسبب العرق، الدين، الجنسية، الرأي السياسي، أو الانتماء لفئة اجتماعية معينة. حاملو هذه الصفة يحق لهم قانوناً التقدم بطلب "لم شمل" عائلاتهم.الحماية الثانوية (الفرعية): تُمنح للأفراد الذين لا ينطبق عليهم التعريف التقليدي للاجئ، لكن هناك أسباب حقيقية تبين أن عودتهم إلى بلدهم الأصلي ستعرضهم لخطر جسيم (مثل الحرب أو العنف العشوائي). قانون اللاجئين القبرصي يستثني هذه الفئة تماماً من حق لم الشمل.
موقف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR): يؤكد الموقع الرسمي للمفوضية في قبرص أن القوانين المحلية تطبق جميع حقوق وواجبات اللاجئين على المستفيدين من الحماية الفرعية، باستثناء الحق في وثائق السفر والحق في لم شمل الأسرة.
2. الأبعاد الإنسانية: المعاناة الناتجة عن حظر لم الشمل
هذا الفارق القانوني البسيط في صياغته يترتب عليه واقع إنساني مرير للاجئين:
التشتت العائلي الدائم: يجد آلاف الآباء والأمهات أنفسهم معزولين في قبرص، بينما يعيش أطفالهم أو أزواجهم في ظروف غير آمنة في سوريا أو دول الجوار، دون وجود أي أفق قانوني لجلبهم عبر القنوات الرسمية.
دفع نحو "قوارب الموت": يرى العديد من الحقوقيين أن حرمان اللاجئين من الطرق القانونية للم الشمل يجبر العائلات في الخارج على المخاطرة بحياتها عبر ركوب البحر بطرق غير شرعية للوصول إلى الجزيرة، مما يرفع من معدلات غرق المراكب.
غياب الاستقرار النفسي والاجتماعي: يعيش الحاصلون على الحماية الثانوية في قلق مستمر؛ فإقاماتهم مؤقتة وتجدد دورياً (لسنة أو سنتين)، ومع غياب عائلاتهم، يصبح الاندماج في المجتمع القبرصي شبه مستحيل، مما يحول إقامتهم هناك إلى حالة انتظار مريرة.
3. الخلفية السياسية والدوافع القبرصية
تتبنى السلطات القبرصية هذه السياسة الصارمة نتيجة لعدة عوامل ضاغطة:
القدرة الاستيعابية للجزيرة: تصرح الحكومة القبرصية علناً بأن الجزيرة (وهي دولة صغيرة المساحة وسياحية الاقتصاد) وصلت إلى حدها الأقصى، حيث تشير التقارير الرسمية إلى أن نسبة طالبي اللجوء واللاجئين وصلت إلى مستويات قياسية مقارنة بعدد السكان المحليين.
محاولات الردع: يُستخدم حرمان المهاجرين من لم الشمل كأداة سياسية وقانونية مقصودة لتقليل جاذبية قبرص كوجهة لجوء أولى في الاتحاد الأوروبي، نظراً لقربها الجغرافي من السواحل السورية واللبنانية (حوالي 160 إلى 185 كم).
التشديد الإضافي وسحب الحماية: لم يقتصر الأمر على حظر لم الشمل، بل اتخذت نيقوسيا إجراءات صارمة شملت فترات تعليق لدراسة طلبات اللجوء الجديدة للسوريين، بالإضافة إلى إسقاط الحماية الثانوية عن أي شخص يثبت أنه غادر الجزيرة وعاد إلى سوريا الزيارة (باعتبار أن عودته الطوعية تسقط عنه صفة الخطر الجسيم).
من الناحية القانونية، تلتزم قبرص بالحد الأدنى الذي يمنع الترحيل القسري (مبدأ عدم الإعادة القسرية) عبر بوابة الحماية الثانوية، لكنها من الناحية الإنسانية تُغلق الباب أمام الاستقرار العائلي، مما يجعل هذه الفئة تعيش في بيئة معلقة قانونياً واجتماعياً.

تعليقات
إرسال تعليق