الرابع والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله):
حدّثنا الفضل بن المقاتل حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كَيْسان عن أبيه قال: مَكَثَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ رَحِمَهُ اللهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يُؤْذِي بِهَا جَلِيسَهُ (الإمام البخاري رضي الله عنه بعد أن ذكر الحديث السّابق والذي فيه بيان أنّ الشّديد من غلب نفسه وليس من غلب النّاس، أكّد هذا المعنى بهذا المثال فذكر عن ابن أبي نجيح رحمه الله أنّه كان مخالفا لنفسه شديدا عليها فلم يتكلّم بكلمة يؤذي بها جليسه مدة ثلاثين سنة، وكم يحتاج هذا الأمر لكسر النّفس وتتبعها ومخالفتها لتستقيم بعد ذلك على طاعة الله، فكأنّ البخاري رحمه الله يقول: كما خالف هؤلاء الأكابر أنفسهم بكلّ ما ذكرت فأنت تستطيع مجاهدة نفسك وحملها على برّ والديك. وبإشارة أخرى كأنّه يقول رحمه الله: أجدر من تعامله بطيب الخلق وبهذه الأعمال هما الوالدان).
الخامس والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): حدثنا محمد بن سلام عن ابن عيينة: أَتَدْرُونَ مَا السَّلَامُ؟ السَّلَامُ: أَنْتَ ءَامِنٌ مِنِّي (أي أنتَ في أمانٍ مِنِّي فلا أؤذِيكَ) أَنْتَ سَالِمٌ مِنِّي (ومُناسبة ذِكر هذا الحديث هُنا هُو بيان حُسن الخُلُق الذي مِنهُ بِرُّ الوالِدَين، ومِثل ذلك ما يأتي مِن الأحاديث التي فيها دليل على حُسن الخُلُق والإشفاق على العباد والرحمة بهم، وكلّ هذا يحتاج إلى كسر نفس ومخالفة لها).
السادس والأربعون: (قال الإمام البخاري رحمه الله): سمعت أبا عبد الله الْمُسْنَدِي يقول: جَاءَ سَلْمُ بنُ سَالِمٍ إِلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَجَعَلَ يُسْمِعُهُ يَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَفَعَلْتُ كَذَا، قالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: أَشْفَانِي مِنْكَ عَقْلُكَ (أي كفانِي وَمنَعَنِي أن أُكَلِّمَك ما بَدَا لِي مِن عَقْلِك) قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[سورة الأعراف/ الآية 199] (وتمام الآية قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، قال القرطبي: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. فَقَوْلُهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دَخَلَ فِيهِ صِلَةُ الْقَاطِعِينَ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، وَالرِّفْقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُطِيعِينَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَتَقْوَى اللَّهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَغَضُّ الْأَبْصَارِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِدَارِ الْقَرَارِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الْحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ أَهْلِ الظُّلْمِ، وَالتَّنَزُّهُ عَنْ مُنَازَعَةِ السُّفَهَاءِ، وَمُسَاوَاةِ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ. وهَذِهِ الْخِصَالُ تَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو جُرَيٍّ: رَكِبْتُ قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْتُ إِلَى مَكَّةَ فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَنَخْتُ قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَلُّونِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ طَرَائِقُ حُمْرٍ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: “وَعَلَيْكَ السَّلَامُ”. فَقُلْتُ: إِنَّا مَعْشَرُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، قَوْمٌ فِينَا الْجَفَاءُ، فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَ: “ادْنُ” ثَلَاثًا، فَدَنَوْتُ فَقَالَ: “أَعِدْ عَلَيَّ” فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَإِنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِمَا لَا يَعْلَمُ مِنْكَ فَلَا تَسُبُّهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا، وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَكَ اللَّهُ تَعَالَى). قَالَ أَبُو جُرَيٍّ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ شَاةً وَلَا بَعِيرًا.
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ: “مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ”؟ فَقَالَ: “لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّيَ” فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ”. فَنَظَمَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:
| مَكَارِمُ الأخـــلاق في ثلاثــــة | وممن كَمُلَتْ فِيهِ فَذَلِكَ الْفَتَى |
| إِعْطَاءُ مَنْ تَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ | تَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّـنِ اعْتَدَى |
وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ ﷺ: (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخلاق). وقال الشاعر:
| كُـلُّ الْأُمُورِ تَزُولُ عَنْـكَ وَتَنْقَضِي | إِلَّا الثَّنَــــــاءَ فَإِنَّــــهُ لَكَ بَاقِــــــي |
| وَلَــــوْ أَنَّنِــــي خُيِّرْتُ كُـلَّ فَضِيلَةٍ | مَا اخْتَرْتُ غَيْرَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ). |

تعليقات
إرسال تعليق