اليونان تضغط لاعتبار أجزاء من سوريا وآسيا "آمنة": جدد دبلوماسيون يونانيون اليوم في لقاءات تحضيرية أوروبية مطالبة أثينا بإعادة تصنيف بعض المناطق في دول المنشأ (مثل بعض المحافظات السورية) كـ "مناطق آمنة" لتسهيل الترحيل القانوني المباشر إليها وإسقاط حق اللجوء التلقائي عن القادمين منها.
هذا الخبر يرتبط مباشرة بالتحولات الحالية في سياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، ويأتي كجزء من ضغط مستمر تقوده اليونان، إلى جانب دول أخرى مثل قبرص والنمسا، لإحداث تغيير جذري في طريقة التعامل مع طالبي اللجوء القادمين من مناطق النزاعات.
1. ما الذي تطالب به اليونان بالضبط؟
تطالب أثينا بإعادة تقييم الوضع الأمني في دول المنشأ، وتحديداً في سوريا (مثل محافظتي دمشق واللاذقية أو مناطق أخرى) وأفغانستان.
الهدف القانوني من هذا الضغط هو:
إسقاط حق اللجوء التلقائي: في حال تم تصنيف منطقة ما بأنها "آمنة"، فإن القادم منها لا يحصل على صفة لاجئ بشكل شبه تلقائي بناءً على جنسيته، بل يصبح العبء عليه لإثبات أنه مهدد شخصياً.
تسهيل الترحيل القانوني: تصنيف مناطق آمنة يمنح اليونان ودول الاتحاد الأوروبي غطاءً قانونياً لإعادة المهاجرين الذين رُفضت طلبات لجوئهم مباشرة إلى تلك المناطق، دون انتهاك مبدأ "عدم الإعادة القسرية" الدولي.
2. السياق والتوقيت (لماذا الآن؟)
التحرك اليوناني لا يحدث في فراغ، بل يستند إلى تطورات تشريعية وميدانية مهدت له:
تعديلات ميثاق الهجرة الأوروبي: أقر البرلمان الأوروبي تحديثات موسعة تمنح مرونة أكبر للدول الأعضاء في استخدام مفهوم "الدولة الثالثة الآمنة" ومفهوم "بلد المنشأ الآمن"، مما شجع اليونان على تحويل هذا المفهوم من إطار نظري إلى واقع تطبيقي يشمل أجزاءً من سوريا.
مبدأ "العودة الطوعية": بدأت اليونان بالفعل بتطبيق مسارات أدت إلى تصدرها دول الاتحاد الأوروبي في نسب "العودة الطوعية" إلى سوريا (والتي وصلت في بعض الفترات إلى نحو 50% من مجمل عمليات الإعادة لبعض الفئات)، وتستخدم أثينا هذه الأرقام كـ "نتائج ملموسة" لإقناع بقية الأعضاء بأن هناك مناطق يمكن العودة إليها.
التحالفات الأوروبية الجديدة: تشهد أروقة الاتحاد الأوروبي مشاورات مكثفة (تقودها برلين وفيينا ونيقوسيا بالتعاون مع أثينا) لبناء ما يُعرف بـ "منصات أو مراكز الترحيل العابرة للحدود" (Return Hubs) خارج حدود الاتحاد، وتصنيف أجزاء من سوريا كمنطقة آمنة يعد حجر أساس لإنجاح هذه الاستراتيجية.
3. الأهداف المباشرة لليونان
تحاول الحكومة اليونانية تخفيف الضغط عن كاهلها لعدة أسباب:
تغيير خريطة الجنسيات: تشير البيانات الرسمية لإجراءات اللجوء في اليونان (مثل تقارير منظمات RSA) إلى أن السوريين والأفغان يمثلون دائماً النسب الأعلى من المتقدمين بطلبات اللجوء، ونسبة قبول ملفاتهم "عند دراستها موضوعياً" تتجاوز 90%. تقويض هذا الحق التلقائي سيخفض أعداد المقبولين بشكل حاد.
مواجهة أزمة طلبات الرد (Readmissions): تواجه اليونان ضغوطاً من دول مثل ألمانيا وسويسرا لإعادة استقبال آلاف اللاجئين الذين غادروا اليونان وصعدوا شمالاً. من خلال ترحيل المرفوضين مباشرة إلى سوريا، تحاول أثينا تفادي تحول أراضيها إلى مخيم دائم كبير.
4. العقبات الجسيمة والرفض الحقوقي
رغم الضغط الدبلوماسي، يصطدم المقترح اليوناني بـعقبات كبرى:
الموقف الأممي والحقوقي: لا تزال المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوق الإنسان الدولية تؤكد بشكل قاطع أن سوريا بأكملها غير آمنة للعودة، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، الاعتقالات التعسفية، وغياب البنية التحتية الأساسية للحياة.
التحدي القانوني والقضائي: واجهت القرارات اليونانية السابقة (مثل تصنيف تركيا كبلد ثالث آمن) إسقاطاً وإلغاءً من قبل مجلس الدولة (أعلى محكمة إدارية في اليونان) لعدم وجود مبررات قانونية كافية. وبالتالي، فإن محاولة فرض "أجزاء من سوريا كمنطقة آمنة" ستواجه طعوناً قضائية شرسة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR).
باختصار، تحاول اليونان قيادة جبهة أوروبية "واقعية وسياسية" تفرض أمراً واقعاً يرى أن النزاع العسكري النشط قد تراجع في بعض المحافظات السورية، وبالتالي يجب استغلال ذلك لتقليص أرقام اللجوء، في حين يرى الجانب الحقوقي والقانوني أن هذا الطرح يقوض جوهر اتفاقية جنيف للاجئين.

تعليقات
إرسال تعليق