التقطع أو التأخير في منح المساعدات المالية الشهرية للاجئين وطالبي اللجوء في قبرص خلال السنوات الأخيرة لم يكن مصادفة، بل جاء نتيجة تحولات جذرية في السياسات الحكومية القبرصية، وضغوط اقتصادية وإدارية، إلى جانب استراتيجية أوروبية عامة لتقليص جاذبية الجزيرة كوجهة لجوء.
أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا التقطع في المساعدات:
1. سياسة "تسريع البت" والتحول نحو الترحيل
في السنوات الأخيرة، غيرت الحكومة القبرصية استراتيجيتها من "الاستضافة طويلة الأمد" إلى تسريع معالجة طلبات اللجوء. بموجب القانون، يتم إيقاف المساعدات المالية تلقائياً فور صدور قرار برفض طلب اللجوء (والذي أصبح يصدر في فترات قياسية قصيرة جداً مقارنة بالسابق). هذا التسريع جعل آلاف المتقدمين يخرجون من منظومة الدعم المالي فجأة بمجرد رفض طلباتهم الأولي.
2. العجز والتمويل الدولي (أزمة ميزانية المفوضية)
تعتمد برامج المساعدات الإنسانية والنقدية بشكل كبير على التمويل المشترك بين الاتحاد الأوروبي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). واجهت المفوضية في الفترات الأخيرة عجزاً حاداً في ميزانيات التمويل العالمي (وصل العجز إلى مستويات قياسية تخطت الـ 60% في بعض القطاعات)، مما أجبر الهيئات الدولية على تقليص أو تعليق المساعدات المباشرة لبعض الفئات في قبرص والتركيز فقط على الحالات الأشد ضعفاً خطورة.
3. ربط المساعدات بسوق العمل (إجبارية العمل)
أدخلت قبرص تعديلات قانونية صارمة تلزم طالبي اللجوء بالتوجه إلى سوق العمل في قطاعات محددة (مثل الزراعة، البناء، وإدارة النفايات) بعد فترة قصيرة جداً من تقديم الطلب.
النتيجة: بمجرد مرور المدة القانونية المسموح بها للعمل، تقوم دائرة الرعاية الاجتماعية بتعليق أو قطع المعونة المالية الشهرية، بافتراض أن الشخص أصبح قادراً على إعالة نفسه، بغض النظر عما إذا كان قد وجد وظيفة فعلية أم لا.
4. المتاهة البيروقراطية والرقمنة الجديدة
شهدت إدارة الرعاية الاجتماعية في قبرص تحولاً نحو الأنظمة الإلكترونية والتدقيق البيومتري المشدد:
تسبب هذا التحول في تراكم المعاملات وتأخر فحص الملفات وتجديد الوثائق (مثل بطاقات الإقامة أو طلبات اللجوء قيد الانتظار).
أي تأخير في تجديد الأوراق الرسمية للمهاجر يؤدي برمجياً في النظام الحكومي إلى تجميد صرف المعونة المالية تلقائياً لحين إثبات الوضع القانوني المحدث.
5. الرغبة في الانضمام لمنطقة "شنغن"
تسعى نيقوسيا بقوة لإثبات قدرتها التامة على إدارة وضبط ملف الهجرة بصرامة وتخفيف العبء المالي الإداري عنها أمام بروكسل، تمهيداً للمفاوضات النهائية للانضمام الكامل إلى منطقة شنغن. تشديد شروط المساعدات وقطعها عن المخالفين يرسل رسالة سياسية قوية لشركائها الأوروبيين بأن الجزيرة لم تعد "نقطة جذب بيئية أو مالية" للمهاجرين.
6. تحويل الميزانيات نحو "برامج العودة الطوعية"
بدلاً من إنفاق الأموال على المساعدات الشهرية المستدامة، فضلت الحكومة القبرصية (بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي) تحويل جزء كبير من الدعم المالي إلى حوافز ومنح عودة طوعية تدفع لمرة واحدة (تصل لألفي يورو للشخص أو العائلات التي تسحب طلبات لجوئها وتختار العودة لبلادها)، مما أدى لتقليص الميزانية المرصودة للمساعدات المعيشية اليومية داخل المعسكرات وخارجها.

تعليقات
إرسال تعليق