صعود اليمين المتطرف في قبرص المجاورة وأثره على اليونان: أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية القبرصية صعوداً قياسياً لحزب "إيلام" اليميني المتطرف (المستوحى من حركة "الفجر الذهبي" اليونانية المحظورة)، حيث يطالب الحزب بإغلاق "الخط الأخضر" وفرض القيود الأكثر صرامة في أوروبا، مما يعزز جبهة الضغط الإقليمي المتشدد في المتوسط.
هذا التطور السياسي في قبرص يمثل حلقة جديدة من سلسلة صعود اليمين القومي المتشدد في منطقة شرق المتوسط، وهو مرتبط بعلاقة "أواني مستطرقة" وثيقة مع المشهد السياسي في اليونان. تاريخياً وفكرياً، هناك ترابط عضوي بين الحركتين المتطيرتين في البلدين.
إليك تحليل دقيق لأبعاد صعود
حزب "إيلام" (ELAM) في قبرص وأثره المباشر والمستقبلي على الجارة والعمق الاستراتيجي اليونان:
1. الامتداد الأيديولوجي: إحياء لـ "الفجر الذهبي" المحظورة
حزب "إيلام" (الجبهة الشعبية الوطنية) لم يخفِ يوماً جذوره؛ فقد تأسس في بداياته كفرع لقبرص من حزب "الفجر الذهبي" (Golden Dawn) اليوناني، الذي صُنّف قضائياً في أثينا عام 2020 كـ "منظمة إجرامية" وتم سجن قياداته.
الأثر على اليونان: نجاح "إيلام" وحصده مقاعد برلمانية متقدمة يمنح قبلة حياة سياسية وخلفية أيديولوجية لفلول اليمين المتطرف في اليونان (مثل حزب "السبارتيين" أو الأحزاب الشبيهة)، ويعيد شرعنة أفكار "الفجر الذهبي" تحت مسميات جديدة في الفضاء الفرانكوفوني واليوناني المشترك.
2. معضلة "الخط الأخضر" والضغط على ملف الهجرة
مطالبة حزب "إيلام" بإغلاق "الخط الأخضر" (المنطقة العازلة التي تقسم جزيرة قبرص والتي يعبر منها المهاجرون من الشمال التركي إلى الجنوب القبرصي) وفرض "أشد القيود في أوروبا" تتقاطع مباشرة مع سياسة اليونان الحالية.
الأثر على اليونان: يخلق هذا الصعود جبهة تنسيق إقليمية موحدة بين نيقوسيا وأثينا في المحافل الأوروبية. ستجد الحكومات المحافظة في البلدين (حتى وإن كانت من اليمين التقليدي الوسطي) نفسها تحت ضغط داخلي هائل من أقصى اليمين، مما يدفعها لتبني سياسات أكثر راديكالية وتشدداً في صد المهاجرين، وتشديد إجراءات اللجوء المشتركة، وتبرير ممارسات مثل "الإعادة القسرية" بحجة "الأمن القومي المشترك".
3. تأزيم ملف العلاقات مع تركيا (قضية قبرص)
تبنى "إيلام" خطاباً يرفض تماماً حل "الفيدرالية ثنائية المجتمع" للأزمة القبرصية، ويطالب بنهج عسكري وسياسي تصادمي مباشر مع تركيا وقبرص التركية.
الأثر على اليونان: اليونان هي الضامن القانوني والعسكري لقبرص اليونانية. أي تصعيد سياسي أو ميداني يقوده اليمين المتطرف في نيقوسيا سيجر أثينا تلقائياً إلى مواجهة دبلوماسية أو أمنية مع أنقرة، مما يهدد أي محاولات تهدئة أو "تقارب مؤقت" يسعى إليه الدبلوماسيون اليونانيون مع الجانب التركي في ملفات شرق المتوسط والحدود البحرية وتنقيب الغاز.
4. تحول "شرق المتوسط" إلى كتلة يمين راديكالي
مع وجود حكومة تشدد على الحدود في أثينا، وصعود قياسي لـ "إيلام" في قبرص، يتحول شرق المتوسط إلى ما يشبه "مختبر أوروبي لسياسات الهجرة المتطرفة".
الأثر المشترك: هذا الصعود يعزز من شرعية تبني سياسة "القلعة الحصينة" (Fortress Europe). البلدان سيستخدمان هذا الصعود الشعبي كأداة ضغط على بروكسل (الاتحاد الأوروبي) لانتزاع تمويلات أكبر لبناء الجدران البحرية والبرية وتوفير غطاء سياسي للعمليات الأمنية العنيفة على الحدود، بحجة أن "البديل عن الحكومات الحالية هو وصول المتطرفين الفعليين للسلطة".
الخلاصة: صعود "إيلام" في قبرص يعيد تصدير "العدوى السياسية" لليمين المتطرف إلى اليونان، ويحكم الخناق القانوني والإنساني في منطقة حوض المتوسط. هذا الصعود يحول التشدد في ملف المهاجرين والنشطاء الحقوقيين من "سلوك حكومي منتقد دولياً" إلى "مطلب شعبي انتخابي حاشد" يصعب تجاوزه في كلاً من نيقوسيا وأثينا.

تعليقات
إرسال تعليق