تخوض جمهورية قبرص سباقاً محموماً مع الزمن، مدفوعة بطموح سياسي واقتصادي طال انتظاره: الانضمام الكامل وغير المشروط إلى منطقة "شنغن" الخالية من الحدود الجوية والبحرية والبرية. ومع صدور التقارير الأوروبية الأخيرة التي تؤكد مواءمة أثينا ونيقوسيا للأنظمة البيومترية وتقنيات المراقبة وتصنيف الجزيرة كأولوية للدعم، تبدو الحكومة القبرصية أقرب من أي وقت مضى لانتزاع هذا الاعتراف الأوروبي التاريخي.
لكن خلف الكواليس الدبلوماسية البراقة، وفي الهوامش المنسية لمعسكرات الاحتجاز المغلقة وأزقة نيقوسيا الخلفية، تظهر حقيقة مغايرة تماماً؛ حقيقة تفيد بأن الثمن الحقيقي لبطاقة الدخول إلى "نادي شنغن" يُدفع حالياً من جيوب واستقرار وحقوق الفئات الأشد ضعفاً من المهاجرين واللاجئين.
هندسة التضييق: الهجرة كعقبة أمام "شنغن"
لطالما عانت قبرص من ثغرة جغرافية جعلتها تحتل المرتبة الأولى أوروبياً من حيث عدد طلبات اللجوء مقارنة بعدد السكان. بالنسبة للمخطط السياسي في نيقوسيا، كانت هذه الأرقام بمثابة "الفيتو" الضمني الذي تؤجله دول الاتحاد الأوروبي للموافقة على ضم الجزيرة؛ إذ كيف تُفتح الحدود الجوية والبحرية لبلد يُنظر إليه كـ "بوابة خلفية مخترقة" للمهاجرين غير النظاميين؟
من هنا، ولدت المقاربة القبرصية الجديدة: تجفيف منابع الجذب بالكامل لإثبات الكفاءة الأمنية أمام بروكسل. لم يعد الهدف مجرد إدارة ملف اللجوء، بل تحويل الجزيرة إلى بيئة طاردة لا تُطاق ماليًا أو قانونيًا لأي واجه جديد.
قطع المساعدات وسلاح البيروقراطية: تجفيف مقصود لسبل العيش
أبرز تجليات هذا الثمن السياسي كان التقطّع الممنهج والمفاجئ في المساعدات المالية الشهرية المخصصة للاجئين وطالبي اللجوء؛ فالتحول السريع نحو ميكنة الخدمات الرقمية والتدقيق البيومتري المشدد – وهو شرط تقني إلزامي تفرضه معايير شنغن – تسبب في تجميد تلقائي لحسابات ومستحقات آلاف العائلات بداعي "تحديث البيانات" أو "انتظار تجديد الإقامات".
ترافق ذلك مع استراتيجية "تسريع البت في الملفات"، حيث أصبحت طلبات اللجوء تُرفض بوقت قياسي، ومعه تُقطع المعونة المالية فوراً ويُحظر الشخص من الدعم المعيشي، ليجد اللاجئ نفسه فجأة مجرداً من حقه في الرعاية، ومطالباً بالانخراط في سوق عمل يفرض شروطاً إقصائية، أو مواجهة الشارع بلا مأوى.
أزمة لم الشمل: تشتيت العائلات كأداة ردع
في ذات السياق، يبرز الحرمان شبه الكامل من حق "لم الشمل" كأحد أقسى الأسلحة غير المعلنة. عبر حصر هذا الحق بفئة "اللاجئ السياسي الكامل" (التي تمنح بنسب شحيحة جداً) وحجبها كلياً عن الحاصلين على "الحماية الثانوية" – والذين يشكل السوريون غالبيتهم الساحقة – نجحت قبرص في توجيه رسالة ردع واضحة: من يأتي إلى هنا سيعيش وحيداً ومشتتاً لسنوات طويلة.
هذه السياسة الصارمة تتقاطع مباشرة مع الرغبة في خفض "ميزانيات الاستضافة المستدامة" وتحويل تلك الأموال لتمويل برامج العودة الطوعية القسرية، وتجهيز البنية التحتية للمطارات لتكون مستعدة أمنياً "منذ اليوم الأول" لإعلان الانضمام لشنغن.
مفارقة الطموح: مكاسب المستثمرين على أكتاف المستضعفين
المفارقة الأخلاقية الصادمة في المشهد القبرصي تكمن في التباين الصارخ بين فئتين من الأجانب على أرض الجزيرة:
فئة المستثمرين والشركات الدولية: التي تترقب انضمام قبرص لشنغن لتعظيم قيمة "الإقامات الذهبية"، وتسهيل حركة رؤوس الأموال، وجعل نيقوسيا وليماسول مراكز إقليمية جذابة ومترفة لرجال الأعمال.
فئة اللاجئين الفارين من الحروب: الذين يُنظر إلى وجودهم الإنساني كعبء مالي و"بقعة سوداء" في السجل الأمني المرفوع لبروكسل، وجب التخلص منها أو محاصرتها للتأكيد على أن الحدود مؤمنة تماماً.
خاتمة: هل تبرر الغاية الوسيلة؟
إن الطموح السياسي لجمهورية قبرص في كسر عزلتها الجغرافية والاندماج الكامل في الفضاء الأوروبي هو حق سيادي مشروع بلا شك. لكن عندما تصبح أدوات تحقيق هذا الطموح هي حرمان الأطفال من الرعاية، وترك العائلات المنهكة بلا دعم مالي، وتحويل المساعدات الإنسانية إلى ورقة مساومة سياسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه وبقوة: هل تستحق تأشيرة "شنغن" كل هذا الهدر في القيم الإنسانية؟ الواقع الحالي يؤكد أن المهاجرين في قبرص لا يدفعون غرامات تأخير أوراقهم فحسب، بل يدفعون ضريبة باهظة لقطار سياسي يسير بسرعة فائقة نحو بروكسل، داهساً في طريقه أبسط حقوق العيش الكريم.


تعليقات
إرسال تعليق